الاهتمام بالناشئين

 

جاء في رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين : «وَأمّا حَقُّ الصَّغِيرِ فَرَحْمتُهُ وتَثقِيفُهُ وتَعْلِيمُهُ وَالعَفْوُ عَنْهُ وَالسِّترُ عَلَيهِ وَالرِّفْقُ بهِ وَالمَعُونَةُ لـَهُ وَالسِّترُ عَلَى جَرَائِرِ حَدَاثتِهِ فَإنّهُ سَبَبٌ لِلتَّوبَةِ، وَالْمُدَارَاةُ لَهُ وتَرْكُ مُمَاحَكَتِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ أَدنى لِرُشْدِهِ».

في العقد الأول من عمر الإنسان تتشكل ملامح شخصيته، وتنغرس بذور صفاته الأساسية، ولذلك فإنّ خبراء التربية يطلقون على هذه المرحلة (السنوات التأسيسية)؛ لأنّ هذه السنوات تتأسس فيها شخصية الإنسان، على المستوى الذهني والأخلاقي والسلوكي، لذلك يجب الاهتمام بهذه المرحلة من حياة الإنسان.

إذا أراد المجتمع أن يكون أبناء الجيل القادم صالحين ناجحين في حياتهم، فعليه أن يصرف الكثير من جهوده في الاهتمام بهم في هذه المرحلة.

الأسرة هي المعنية بالدرجة الأولى، لكن جهدها غير كافٍ، فقد لا تستطيع القيام بالمهمة كاملة، والبيئة الاجتماعية تعتبر عاملًا مساعدًا أو معوقًا، فإذا كانت البيئة الاجتماعية صالحة، تساعد الأسرة على التربية، أما إذا كانت البيئة الاجتماعية غير صالحة، فقد تهدد الجهود التي تصرفها الأسرة في تربية أبنائها!.

من هنا فإنّ الإمام زين العابدين في هذا الفصل من رسالة الحقوق، يؤكد على مسؤولية المجتمع، والخطاب هنا ليس للوالدين، بدليل أنّ هناك فصلًا سابقًا في رسالة الحقوق يتحدث عن حق الولد على والده. حيث يقول: «وَأمَّا حَقُّ وَلَدِكَ فَتَعْلَمَ أنَّهُ مِنْكَ وَمُضَافٌ إلَيكَ فِي عَاجِلِ الدُنْيَا بخَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَأَنَّكَ مَسْؤولٌ عَمَّا ولِّيتَهُ مِنْ حُسْنِ الأَدَب وَالدّلالَةِ عَلَى رَبهِ وَالْمَعُونةِ لَهُ عَلَى طَاعَتِهِ فِيكَ وَفِي نفْسِهِ...».

لكنه في هذا الفصل يوجه الخطاب للمجتمع، إلى كلّ كبير في المجتمع، تجاه كلّ صغير، ينبغي للكبار أن يتحملوا مسؤوليتهم تجاه الجيل الناشئ.

ويمكن أن نلحظ ثلاثة عناوين تناولها الإمام في هذا الفصل:

أولًا: الرعاية النفسية والعاطفية 

على المجتمع أن يتعامل مع الناشئة بالرفق والعطف والرحمة واللين، فإذا نشأ الإنسان في بيئة تتعامل معه بالمحبة والأخلاق السامية، فإنّ ذلك ينمي النزعات الخيّرة في نفسه، وينشأ على هذا السلوك، فيكون سلوكه مع الآخرين وفق ما تعامل المجتمع معه، فيصبح محبًا لمجتمعه، يرفق في تعامله مع الآخرين، أما إذا نشأ الطفل في بيئة تعامله بالجفاء والقسوة والغلظة، فإنّ مشاعر الحب والرحمة تخبو في نفسه، ويتربى على القسوة.

نرى في بعض المجتمعات كيف أنّ الأطفال يتداولون ألفاظ السب والشتم البذيئة، وإذا بحثت عن السبب تجد أنّهم تلقنوا تلك الألفاظ من أجواء البيت والبيئة المحيطة، الولد الذي يخاطبه أبوه أو أمه أو الناس من حوله بهذه الألفاظ البذيئة، يحفظها ويتعامل بها مع الآخرين، وحينما يتعاملون معه بالقسوة، ينشأ على هذا السلوك ويكون قاسيًا فظًا في التعامل.

لذلك يقول الإمام : «وَأمّا حَقُّ الصَّغِيرِ فَرَحْمتُهُ وتَثقِيفُهُ وتَعْلِيمُهُ وَالعَفْوُ عَنْهُ وَالسِّترُ عَلَيهِ وَالرِّفْقُ بهِ» هذه المعاني يجب أن يهتم بها كلّ إنسان، ليس مع أطفاله فقط، بل مع كلّ طفل صغير ناشئ في المجتمع.

وفي السيرة النبوية نقرأ عن أخلاق النبي محمد والتزامه بالسلام على الأطفال.

وقد سئل عن ذلك، فأجاب فيما روي عنه: خمس خصال لست أدعهن في حياتي،... ومنها: السلام على الصبيان حتى يكون سنة من بعدي». 

وعن جعفر بن محمد، عن آبائه عن النبي قال: «خمس لست بتاركهنّ حتى الممات:...، وتسليمي على الصبيان لتكون سنة من بعدي»[1] .

يريد النبي من كلّ شخص في المجتمع أن يبدي الاهتمام والاحترام بالصغار الناشئين، حتى يشعروا بقيمتهم ويتربوا على هذا الخلق في تعاملهم مع الآخرين.

وورد عنه : «أكرِموا أولادَكُم، وأحسِنوا أدَبَهُم»[2] .

وعنه : «مَن لَم يَرحَم صَغيرَنا ويُعَزِّز كَبيرَنا فَلَيسَ مِنَّا»[3] .

ثانيًا: استيعاب طبيعة مرحلة الطفولة والمراهقة 

الناشئ ـ ذكرًا أو أنثى ـ في بداية حياته ليست له تجربة، حينما تبدأ الغرائز تستيقظ في وجوده وتعمل في نفسه، تصدر منه أخطاء وتجاوزات، ففي مثل هذه الحالة لا ينبغي أن يعامل بالشدة؛ لأنّ ذلك يولد لديه ردة فعل وحالة تحدٍّ، لذلك يقول الإمام: «وَالسِّترُ عَلَى جَرَائِرِ حَدَاثتِهِ فَإنّهُ سَبَبٌ لِلتَّوبَةِ وَالْمُدَارَاةُ لَهُ وتَرْكُ مُمَاحَكَتِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ أَدنى لِرُشْدِهِ».

ما دام صغيرًا فحصول الأخطاء وارد منه، فعلينا أن نستر عليه، لكن بعض الآباء يستهين بهذا الجانب، ويتحدث عن أخطاء أبنائه أمام الآخرين، وهذا من التشهير الذي يوجد جرحًا في شخصية الطفل، وقد يؤثر على مستقبل حياته!

كما يقول الإمام: «وتَرْكُ مُمَاحَكَتِهِ»، والمماحكة في اللغة هي الإلحاح والمحاسبة الشديدة. 

ينبغي للأب أن يرفق بابنه، فلا يحاسبه محاسبة شديدة «فَإنَّ ذَلِكَ أَدنى لِرُشْدِهِ» فيكون الابن أكثر نضجًا واستقامة؛ لأنّ شدة المحاسبة قد تسبب له العقد في شخصيته.

ثالثًا: التعليم والتثقيف

مرحلة الصغر هي مرحلة زرع عشق المعرفة في نفس الإنسان، وهي المرحلة التي يتجذر فيها العلم، وكما قيل: «العلم في الصغر كالنقش في الحجر»، فلا بُدّ من الاهتمام بتعليم الناشئين وتثقيفهم.

نحن بحمد الله نعيش في عصر انتشرت فيه المدارس، وأصبح التعليم إلزاميًا، فالمدرسة تقوم بالدور الأساس في التعليم، لكنّ الأسرة والمجتمع لهما دور في تشجيع الأبناء على النجاح في مسيرتهم التعليمية وإكمالها، وإلى جانب ذلك ينبغي تحفيز الناشئة على كسب الثقافة والمعارف العامة، وعدم الاكتفاء بالمناهج الدراسية.

فلا بُدّ من التوجيه والتوعية، خصوصًا في المجال الديني، حيث يعيش أبناؤنا الانفتاح على مختلف الثقافات وأنماط السلوك، عبر الوسائل الإلكترونية، فهم يتلقون ألوانًا شتى من الآراء والأفكار، مما يجعل الحاجة ماسة إلى تحصينهم بالقيم والمبادئ والأخلاق السليمة والثقافة الصحيحة، وهذه هي مسؤولية الأسرة والمجتمع.

روي عن الإمام الصادق : «بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة»[4] ، والمرجئة تيار فكري منحرف كان في الأمة، والإمام يوجه إلى المبادرة، لا تنتظر حتى تأتي الأفكار المنحرفة إلى ذهن الطفل، ثم تنشغل برد الشبهات ومعالجة آثارها، وإنّما عليك أن تبادر بتزويد الأبناء بالفكر الصحيح والثقافة السليمة حتى إذا واجه فكرًا منحرفًا يكون محصنًا واعيًا.

دور المساجد

كلّ مسجد ينبغي أن يكون له دور في الاهتمام بالناشئة، فلا بُدّ من وجود لجنة تهتم باستقطاب الناشئة وتعليمهم الصلاة ومبادئ الدين.

لقد أصبحت مساجدنا تتسابق على إقامة مجالس التعزية، (ولا مانع في ذلك) لكنّ رسالة المسجد الأساس هي تعليم الصلاة ونشر الثقافة، واستقطاب الناشئة وتوجيههم للدين. 

وهي مهمة تكتنفها بعض الصعوبات وتحتاج إلى بذل جهد ومتابعة أكثر من مجرّد إقامة مجالس التعزية أو الأفراح.

ومما ينبغي الإشارة إليه أسلوب التعليم بالتشويق والترغيب باللغة المناسبة.

ورد عن رسول الله : «مُروا أولادَكم بالصلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سنينَ»[5] .

 برنامج (من المصلين)

انطلقت في منطقة القطيف مبادرة جميلة تحت عنوان (من المصلين) بدأت في الفترة من 20 محرم 1439هـ حتى 20 من صفر، قام بها مجموعة من الشباب الواعين، يركز هذا البرنامج على تثقيف الناس بأهمية الصلاة وخاصة للناشئة، وإقامة دورات تعليم الصلاة والتشجيع عليها، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه كلّ مسجد، تجاوبًا مع هذا النشاط (من المصلين) حتى يكون أبناؤنا مهتمين بالصلاة، وإلا سينطبق علينا قول الله تعالى ـ والعياذ بالله أن نكون كذلك ـ ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ

وفي دراسة قامت بها هذه اللجنة شملت 676 فتى وفتاة حول إقامة الصلاة والاهتمام بها، تبيّن من هذه الدراسة أنّ نسبة 7% ممن شملتهم الإحصائية لا يصلون أو لا يهتمون بالصلاة، وهذا مؤشر خطير، قد يتزايد في المستقبل إن أهمل الموضوع، نريد أن يتربى أبناؤنا على حب الصلاة والدين كما ربّانا آباؤنا.

التربية على الثقافة 

ينبغي أن نهتم بتشجيع أبنائنا ونحثهم على قراءة الكتب، وزيارة المكتبات والمتاحف والمراكز العلمية، حتى تنفتح أذهانهم على الثقافة والمعرفة، فنكثّف المبادرات على هذا الصعيد بنشر الكتب المناسبة للناشئين والناشئات وبعقد المسابقات تشجيعًا لذلك.

مسابقة تحدّي القراءة

هي مسابقة سنوية تقيمها دولة الإمارات العربية المتحدة في إمارة دبي، تستهدف تشجيع الناشئة والشباب على القراءة ومطالعة الكتب، وقد شارك فيها عشرة ملايين وخمسمئة ألف طالب وطالبة من الوطن العربي والعالم، شملت 44دولة، فازت بها طالبة مغربية اسمها (مريم أمجون)، عمرها 9 سنوات، وقد تحدثت عن نفسها أنّها منذ سنّ الخامسة بدأت القراءة، وفي هذه المسابقة قرأت 200 كتاب ولخصتها وقدمت 60 تلخيصًا وفازت بالجائزة على مستوى العالم العربي.

في السنة الأولى شارك أكثر من أربعة ملايين متسابق. 

في السنة الثانية شارك سبعة ملايين ونصف.

في السنة الثالثة شارك 10مليون ونصف.

علينا أن نشجع مثل هذه المبادرات ونشجع أبناءنا على الاشتراك فيها.

* خطبة الجمعة بتاريخ 23 صفر 1440هـ الموافق 2 نوفمبر 2018م.
[1]  وسائل الشيعة. ج 6، ص 442.
[2]  المصدر نفسه. ج٢١، ص٤٧٦.
[3]  بحار الأنوار. ج٤٣، ص٢٨٣.
[4]  الكافي. ج ٦، ص٤٧.
[5]  محمد ناصر الدين الألباني. صحيح سنن أبي داود. ص 495.