ارحم الناس ليرحمك الله

 

جاء في الحديث عن رسول الله أنه قال: «مَن لا يَرْحَمِ النَّاسَ، لا يَرْحَمْهُ اللَّهُ»[1] .

يشعر كلّ إنسان في أعماق نفسه بالحاجة والافتقار إلى رحمة الله ولطفه في الدنيا والآخرة، فمهما كانت قدرات الإنسان، ومهما أوتي من إمكانات القوة، أو الثروة، والسلطة، أو العلم والجاه، إلا أنه يعلم أن بقاء حياته واستمرار وجوده بيد الله سبحانه وتعالى، كما أنّ بقاء القدرات التي يمتلكها واستمرارها بيد الله سبحانه، فهو معرّض لمختلف الأخطار والتحديات المتوقعة وغير المتوقعة، فبينا هو يعيش مرتاحًا مستمتعًا بوسائل الراحة، إذ عرضت له مشكلة صحية جسمية أو نفسية، أو خسارة في مكاسبه، أو يقع عليه اعتداء مقصود أو غير مقصود. 

هذا هو الواقع المحسوس الذي يعيشه الإنسان، وهو ما يجب أن يشعره دائمًا وأبدًا بالافتقار إلى رحمة الله وعونه.

وفي الآخرة يكون الأمر أوضح وأجلى، حيث تنعدم الوسائل المحدودة التي بيد الإنسان في هذه الدنيا، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ [سورة الشعراء: الآية 88].

﴿لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا [سورة آل عمران: الآية 10].

لذلك ينبغي أن يكون نيل رحمة الله هو الهم الأكبر للإنسان، وهي مبذولة من قبل الله تعالى لعباده، لذلك جعل الرحمة هي الصفة المقترنة باسمه تعالى كما في البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم)، دون بقية صفاته وأسمائه، فهو العليم القدير المهيمن، لكنّ الله اختار الرحمة وأكد عليها باسمين من أسمائه الحسنى (الرحمن/ الرحيم)، حتى يطمئن الإنسان إلى رحمته في الدنيا والآخرة.

وإذا أراد الإنسان أن يضمن استمرار رحمة الله، وينال المزيد عليه أن يلتزم بأمرين مهمين:

الأول: استمرار طلب الرحمة 

فذلك سببٌ لاستمرار هطول الرحمة ونزولها على الإنسان، أن تطلب الرحمة من الله في كلّ لحظة، لا تتوان عن الطلب، فهو سبحانه يحب من عبده الدعاء بشكل دائم، يقول تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ[سورة الفرقان، الآية: 77]، وإذا أعرض الإنسان عن الدعاء والطلب، قد تنقطع عنه رحمة الله ولطفه.

عن الإمام الصادق : «فَأَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ مِفْتَاحُ كُلِّ رَحْمَةٍ، وَنَجَاحُ كُلِّ حَاجَةٍ، وَلَا يُنَالُ مَا عِنْدَ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ إِلاَّ بِالدُّعَاءِ؛ وَإِنَّهُ لَيْسَ بَابٌ يُكْثَرُ قَرْعُهُ إِلاَّ يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لِصَاحِبِهِ»[2] .

حتى لو لم تحصل على مطلوبك كما يبدو لك مع تكرار الدعاء عشرات المرات، لا يعني أن تيأس أو تنقطع عن الدعاء، داوم وستمر في كلّ لحظة من اللحظات، فإنّ رحمة الله تدركك فيما هو أهم مما طلبت.

الثاني: إبداء الرحمة للآخرين 

إذا أردت أن يغمرك الله بلطفه ورحمته، اغمر من حولك من الناس برفقك ورحمتك، فرحمتك للآخرين تنزل رحمة الله عليك.

كلما بذلت رحمتك للناس بذل الله رحمته لك، واجعل ذلك لكلّ الناس (القريبين والبعيدين)، من زوجتك وأبنائك، جيرانك وأصدقائك، والعاملين عندك.

وهذا ما تؤكد عليه النصوص الدينية، ورد في الحديث عن رسول الله نبينا محمد أنه قال: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» الذي يتعامل مع الناس بجفاء وقسوة يحرم نفسه رحمة الله ولطفه.

وورد عنه : «الراحمون يرحمهم الرحمن يوم القيامة»[3] .

وقال : «ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء»[4] .

«من لا يَرحم لا يُرحم»[5] .

وقال : «يا أنس ارحم الصغير ووقر الكبير تكن من رفقائي»[6] .

ومن صفات رسول الله أنه ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ[سورة التوبة، الآية 128]. 

وتفيد بعض النصوص أنّ إبداء الرحمة ليس فقط لبني البشر، بل حتى لسائر الحيوانات والمخلوقات، إبداء الرحمة لها موجب لرحمة الله.

فقد ورد عنه : «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ

قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟

قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»[7] .

وعن أمير المؤمنين علي : «عجبت لمن يرجو رحمة من فوقه كيف لا يرحم من دونه)[8]  الأشخاص الذين هم تحت هيمنتك ورعايتك أقلّ منك قوة وقدرة إذا لم ترحمهم، كيف تطمع أن يرحمك من هو فوقك قوة وقدرة وهو الله سبحانه وتعالى؟!!

ويقول الشاعر:

وارحم بقلبك خلق الله وارعهم 
فإنّما يرحم الرحمن من رحما

تجليات الرحمة تجاه الآخرين

هناك تجليات كثيرة يمكن الإشارة إليها، نكتفي بذكر ثلاث منها:

أولًا: الإحساس بآلام الناس وحاجاتهم ومعاناتهم

الإنسان الذي تعمر الرحمة قلبه، يشعر بآلام الآخرين ويساعدهم في تجاوزها، يفكر في اليتامى والفقراء والمرضى وذوي الاحتياجات.

بينما الإنسان الأناني لا يشعر إلا بآلام ذاته، ولا يفكر إلا بحاجاته، غير مكترث بما يعانيه الآخرون!

إذا جاع ربما يشعر بجوع غيره، وإذا افتقر يشعر بفقر غيره!

وعلى سبيل المثال، حينما ينزل المطر وتكتشف أن في سقف بيتك ثقوبًا يدخل منها المطر، تتأذى وتسعى بمختلف الطرق لمعالجة هذه المشكلة بأسرع وقت.

ماذا عن الآخرين الذين يعيشون هذه المشكلة بصورة متكررة، ولا يستطيعون حلها؟!

هناك من يسكن في بيت مريح مؤمن في حالات الحرّ والبرد والمطر، لكنه يحمل قلبًا رقيقًا، يشعر بمعاناة الآخرين، ويسعى لمعالجة مشاكلهم، وهو بذلك يؤهل نفسه إلى رحمة الله.

ثانيًا: مواساة الآخرين وإشعارهم بالتعاطف والدعم

يتأثر الإنسان كثيرًا بالجوانب المعنوية العاطفية في حياته، حين يمرض ويرقد على السرير الأبيض، ولا يأتي أحد لعيادته، تزداد معاناته، وربما يشتد عليه المرض!!

ولهذا وردت أحاديث وروايات كثيرة في استحباب عيادة المريض، ففي ذلك إبداء للتعاطف والمواساة.

حينما تعود المريض قد لا تمنحه فائدة مادية، لكنّك تقدم له فائدة نفسية كبيرة، ترفع معنوياته، وتعطيه زخمًا عاطفيًا، يساعده على تحمل مرضه.

ورد عن علي : «من أحسن الحسنات عيادة المريض»[9] .

وكذلك تعزية المصاب، فقد ورد عن رسول الله : «من عزّى مصابًا كان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجر المصاب شيئًا»[10] .

وكذلك إبداء الاهتمام بمن وقع في مشكلة، مجرّد أن تلتقي به أو تتصل به هاتفيًا وتبلغه تعاطفك معه في مشكلته، فإنك تسهم في تخفيف معاناته، وفي ذلك الثواب والأجر العظيم، وهو دليل على رقة القلب وتجلٍ من تجليات الرحمة.

ثالثًا: السعي في حاجات الآخرين 

أن تسعى في قضاء حاجات الآخرين، ورد عن الإمام الصادق : «ما من مؤمن يمشي لأخيه المؤمن في حاجة إلا كتب الله عزّ وجلّ له بكلّ خطوة حسنة، وحطّ عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة وزيد بعد ذلك عشر حسنات وشفع في عشر حاجات»[11] .

وعنه : «مَن كان في حاجة أخيه المسلم كان الله في حاجته، ما كان في حاجة أخيه»[12] .

اِسْعَ في حوائج الناس واهتم بقضاء حوائجهم، في كلّ مجال من المجالات، فهو دليل على وجود الرحمة في قلبك.

رابعًا: العفو والصفح 

ترى أخطاء من الآخرين، الزوج قد يرى أخطاء من زوجته، وهي قد ترى خطأ من زوجها، والأب يرى أخطاء من أبنائه، والجيران من بعضهم بعضًا، والزملاء في أعمالهم ووظائفهم.

فكيف تتعامل مع أخطاء الآخرين؟

هل تعفو وتصفح، أم تعاقب وتنتقم؟

الإنسان الذي يفيض قلبه بالرحمة يبادر بالعفو يبادر والصفح. أما من تنعدم الرحمة في قلبه أو تخبو فإنه يمتلئ قلبه بالحقد على من أخطأ عليه، ويسعى بما أوتي من قدرة للانتقام منه.

أنت محتاج إلى عفو الله وصفحه، فاجعل عفوك عمّن أخطأ بحقك رصيدًا لك ليعفو الله تعالى عنك، وهذا ما صرّح به القرآن الكريم يقول تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[سورة النور: الآية 22].

ما هو أصرح من هذا الكلام؟

ألا تحب وتأمل أن يغفر الله لك؟ من أجل أن يتحقق ذلك عليك أن تعفو أو تصفح عمن أساء إليك، وحينما تعفو وتصفح، الله تعالى يعفو عنك ويصفح.

وفِي آية أخرى يقول تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ[سورة الشورى: الآية 40].

ويقول تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[سورة آل عمران: الآية 134].

في الحديث عن النبي : «إذا أُوقِفَ العِبادُ نادى مُنادٍ: لِيَقُمْ مَن أجرُهُ عَلَى اللّه ولْيَدخُلِ الجَنَّةَ. قيلَ: مَن ذا الّذي أجرُهُ عَلَى اللّه؟ 

قالَ: العافُونَ عَنِ النّاسِ»[13] .

هؤلاء أجرهم على الله سبحانه وتعالى، يسرع بهم إلى الجنة، فعلى الإنسان أن يكون قلبه طيبًا، يصفح ويعفو ويتعامل مع المخطئ بالرحمة، حتى يتعامل الله معه بالرحمة والمغفرة.

* خطبة الجمعة بتاريخ 7 ربيع الثاني 1440هـ الموافق 14 ديسمبر 2018م.
[1]  صحيح مسلم، ص1268، حديث 2319.
[2]  الكافي. ج2، ص470، حديث7.
[3]  بحار الأنوار، ج٧٤، ص١٦٧.
[4]  المصدر نفسه، ج٧٤، ص١٦٧.
[5]  وسائل الشيعة، ج٢١، ص٤٨٥.
[6]  كنز العمال، ج٣، ص١٨٠.
[7]  صحيح البخاري، كتاب الشرب والمساقاة، باب فضل سقي الماء، حديث 2363.
[8]  عبدالواحد الآمدي التميمي. غرر الحكم ودرر الكلم.
[9]  بحار الأنوار، ج٧٣، ص١٢.
[10]  الكافي، ج 3، ص 205.
[11]  الكافي، ج٢، ص١٩٧.
[12]  وسائل الشيعة، ج١٦، ص٣٦٧.
[13]  كنز العمّال. ج 3، ص 374، حديث 7009.