التعبئة الثقافية للجمهور في مدرسة أهل البيت (ع)

 

ورد في الكافي بسند صحيح عن الإمام جعفر الصادق أنه قال لأصحابه: «اتَّقُوا اللهَ، وَكُونُوا إِخْوَةً بَرَرَةً، مُتَحَابِّينَ فِي اللهِ، مُتَوَاصِلِينَ، مُتَرَاحِمِينَ، تَزَاوَرُوا، وَتَلَاقَوْا، وَتَذَاكَرُوا أَمْرَنَا، وَأَحْيُوهُ»[1] .

أولى أئمة أهل البيت اهتمامًا كبيرًا لتثقيف الجمهور الموالي لهم، وذلك:

أولًا: لكي تكون علاقة الجمهور بهم قائمة على أساس من الوعي والمعرفة، وليست مجرّد انشداد عاطفي.

ثانيًا: لتحصين الجمهور من تأثير ثقافات التيارات المخالفة لنهج أهل البيت، والإعلام المناوئ لهم من الجهات المعادية، التي فرضت حصارًا على فكر أهل البيت، وسعت إلى تشويه سمعتهم ومواقفهم.

ثالثًا: ليكون هذا الجمهور قادرًا على حمل رسالتهم لجماهير الأمة، وليشكّل أنموذجًا جاذبًا على مستوى المعرفة، وامتلاك الكفاءة، وحسن السيرة والسلوك.

طرق وأساليب التثقيف

من هنا كثّف الأئمة جهودهم في تثقيف جمهورهم، عبر الطرق والأساليب التالية:

أولًا: بالتوجيه المباشر من قبل الأئمة أنفسهم، بالخطب، وبثّ الأحاديث، وكتابة الرسائل، وإبداء الوصايا، وتقديم أنواع الأدعية، التي تحمل الكثير من مفاهيم الدين وقيمه وآدابه، والإجابة على الأسئلة والاستفتاءات، لذلك نجد تراث الأئمة حافلًا زاخرًا بالمعارف الدينية في جميع الميادين والحقول، ورغم أن قسمًا منه قد تعرّض للضياع والإهمال بسبب الظروف التاريخية، إلّا أنّ ما حفظه لنا الرواة والمؤرخون يمثّل ثروة هائلة كبيرة.

ثانيًا: بتربية الكفاءات العلمية، حيث تخرّج على يد كلّ واحدٍ من الأئمة عدد من التلامذة والعلماء الكبار، في مختلف تخصّصات المعرفة، ليقوموا ببثّها ونشرها في أوساط جماهير الأمة.

ثالثًا: بالحثّ والتحفيز لأتباعهم على اكتساب الوعي، وتلقّي العلم والمعرفة، فقد ورد عن الإمام علي : «اِكتَسِبُوا العِلمَ يَكسِبكُمُ الحَياةَ»[2] .

وجاء عن الإمام محمد بن علي الباقر : «لَو أتيتُ بِشابٍّ مِن شَبابِ الشّيعَة لا يَتَفَقَّهُ فِي الدّينِ لأوجَعتُهُ»[3] .

وورد عن الإمام جعفر الصادق : «اعْرِفُوا مَنَازِلَ النَّاسِ عَلى قَدْرِ رِوَايَتِهِمْ عَنَّا»[4] .

وعنه : «لَوَدِدْتُ أَنَّ أَصْحَابِي ضُرِبَتْ رُؤُوسُهُمْ بِالسِّيَاطِ حَتّى يَتَفَقَّهُوا»[5] .

رابعًا: برامج التثقيف الاجتماعي، بالدعوة لإقامة الاجتماعات والتجمّعات في البيوت والمنازل، لتداول حديث أهل البيت وإحياء أمرهم.

وهذا ما وردت حوله أحاديث كثيرة، وهو ما أسّس لمجالس ذكر أهل البيت في مناسباتهم كأيام عاشوراء.

روى الكليني بسندٍ معتبر عن مُيَسِّرٍ: قَالَ لِي الإمام محمد الباقر : «أَتَخْلُونَ وَتَتَحَدَّثُونَ، وَتَقُولُونَ مَا شِئْتُمْ؟» فَقُلْتُ: إِيْ وَاللهِ، إِنَّا لَنَخْلُو وَنَتَحَدَّثُ، وَنَقُولُ مَا شِئْنَا، فَقَالَ: «أَمَا وَاللهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي مَعَكُمْ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ؛ أَمَا وَاللهِ، إِنِّي لَأُحِبُّ رِيحَكُمْ وَأَرْوَاحَكُمْ، وَإِنَّكُمْ عَلى‌ دِينِ اللهِ وَدِينِ مَلَائِكَتِهِ، فَأَعِينُوا بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ»[6] .

وعنه : «تَزَاوَرُوا؛ فَإِنَّ فِي زِيَارَتِكُمْ إِحْيَاءً لِقُلُوبِكُمْ، وَذِكْرًا لِأَحَادِيثِنَا؛ وَأَحَادِيثُنَا تُعَطِّفُ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ، فَإِنْ أَخَذْتُمْ بِهَا رَشَدْتُمْ وَنَجَوْتُمْ، وَإِنْ تَرَكْتُمُوهَا ضَلَلْتُمْ وَهَلَكْتُمْ، فَخُذُوا بِهَا، وَأَنَا بِنَجَاتِكُمْ زَعِيمٌ»[7] .

وورد عن الإمام جعفر الصادق أنه قال لفضيل: «تَجْلِسُونَ وَتَتحَدّثُونَ؟ فَقالَ: نَعَمْ، فقالَ: إِنَّ تِلْكَ الْمَجالِسَ أحِبُّها فَأحْيُوا أَمْرَنا، فَرَحِمَ اللهُ مَنْ أحْيى‌ أَمْرَنا»[8] .

وبهذه التعبئة الثقافية للجمهور تحقّق الثبات والصمود والتمدّد لخطّ أهل البيت في ساحة الأمة، رغم كلّ الضغوط الهائلة المضادّة.

الاتجاهات الفكرية ومواجهة التحدّيات

تتفاوت المجتمعات والمدراس الفكرية في مدى استجابتها للتحدّيات والضغوط التي تستهدف وجودها وهويتها، وفي قدرتها على إبداع البرامج والوسائل التي تمكّنها من تجاوز التحدّيات وحماية المصالح والمكاسب.

بعض المجتمعات والمدارس الفكرية تفشل في المواجهة، وتتراجع أمام الضغوط، ويصاب أبناؤها بالهزيمة النفسية أمام الجهات المناوئة والمنافسة.

 وحين تنعدم القدرة على الثبات، يحصل الذوبان والانحسار والتقلّص.

ونجد في التاريخ، كما في تاريخنا الإسلامي، نماذج لمدارس وتيارات فكرية، كانت في وقت من الأوقات حاضرة قوية في الساحة، لكنّها حينما واجهت الضغوط والعقبات، لم تنجح في المقاومة، ولم تتمكن من الاستمرار.

انحسار مدرسة المعتزلة

ويمكننا الحديث في هذا المجال عن نموذج مدرسة المعتزلة.

وهي مدرسة عقلية في فهم الدين، مقابل مدرسة أهل الحديث النصية، وبينهم وبين الشيعة مشتركات في مجال الكلام والاعتقاد، ويطلق عليهم العدلية، فهم كالشيعة يؤمنون بالحسن والقبح الذاتيين العقليين، أي إنّ الأشياء فيها حسن أو قبح ذاتي، وأنّ العقل قادر على تشخيص الحسن والقبح في الأشياء من حيث المجمل، بينما يرى أهل الحديث والأشاعرة: أنّ الحسن والقبح يكونان باعتبار الشرع، وليس في ذات الأشياء. فالعدل حسن والظلم قبيح؛ لأنّ الشرع اعتبرهما كذلك.

وفي مدرسة المعتزلة ثراء علمي، وعمق فكري، ونزعة عقلية شديدة.

مؤسس مدرسة الاعتزال واصل بن عطاء (80 -131هـ).

وسبب التسمية، كما يرجّح معظم الباحثين، أنه كان في حلقة الحسن البصري العالم المعروف (ت 110هـ)، فاختلف معه فاعتزله، فأطلق عليه وعلى جماعته المعتزلة.

وبرز منهم علماء فطاحل في علم الكلام، والقدرة على المناظرة والجدل، مثل عمرو بن عبيد، وإبراهيم النظّام، وأبوعلي الجبّائي وقاضي القضاة عبدالجبار صاحب كتاب (المغني) في عشرين جزءًا، إضافة إلى مؤلفات أخرى نافت على الأربعين كتابًا.

لمع نجمهم بداية القرن الثاني في عهد المنصور العباسي، وكانت لهم مدرستان في البصرة وبغداد. ودعمهم ثلاثة من الخلفاء العباسيين، المأمون والواثق والمعتصم، وحينها امتحنوا الناس وأكرهوهم على قبول آرائهم، وحرّضوا الحكّام على التنكيل بمخالفيهم، وكان الإمام أحمد بن حنبل أحد الضحايا، فيما عرف بمحنة خلق القرآن، مع أنهم مدرسة عقلية يتبنّون حرية الفكر على المستوى النظري، لكنّهم في ميدان الممارسة والتطبيق، حينما توفرت لهم القدرة مارسوا الفرض والقهر.

ووصلت أفكارهم إلى المغرب وخراسان واليمن والكوفة، لقوتهم في المناظرة والاحتجاج مع مخالفيهم. وأمام الملاحدة واليهود والنصارى أيضًا.

لكنّهم مع قوتهم العلمية والفكرية، حين تعرّضوا للضغوط الشديدة، خاصة في زمن المتوكل العباسي، وزمن القادر بالله سنة 408هـ، حيث اعتقل زعماؤهم واستتاب بعض فقهائهم، لم تُبْدِ هذه المدرسة قدرةً على الصمود والثبات، فبعض أعلامها انسحبوا وتراجعوا، ومن أبرزهم أبو الحسن الأشعري، وهو ربيب أبي علي الجبّائي وتلميذه، لكنه أعلن التراجع والانسحاب والانضمام إلى أهل الحديث.

وبدأوا يتقلّصون وينحسرون، وكان آخر مفكريهم البارزين القاضي عبدالجبار المتوفى 415هـ ثم انقرضوا وذهب تراثهم على غزارته، ولا تجد الآن لهم امتدادًا، فامتدادهم الجماهيري كان ضعيفًا، وكانوا في صفوف النخبة.

ويرى كثير من الباحثين أنّ انقراض مدرسة المعتزلة يمثّل خسارة في ساحة الفكر الديني؛ لأنّ وجودهم كان عامل تحريض وإثراء عقلي فكري، وكان يشكّل حالة توازن مع مدرسة أهل الحديث، الذين تفرّدوا بعدهم بساحة أهل السنة.

يقول الشيخ جعفر السبحاني: (كان انقراض المعتزلة انهزامًا لدعاة الحرّيّة وانتصارًا للتحجّر وتقوية لقوى الجهل والأمّيّة)[9] . وقد كتب عنهم دراسة نقدية شاملة في الجزء الثالث من موسوعته (أبحاث في الملل والنحل) في أكثر من 400 صفحة.

الخوارج مسار التطرف والعنف

وفي المقابل هناك تيارات فكرية تدفعها المواجهة والتحدّيات لمسار العنف والصدام المفرط، ولخوض المعارك الفاشلة، التي تؤدي بها إلى الانتحار السياسي والاجتماعي، فلا تكون قادرة على الاستمرار والتقدّم.

ويمكن الحديث هنا عن مدرسة الخوارج، التي انبثقت في عهد أمير المؤمنين علي ، في نهاية حرب صفين، حيث رفضوا التحكيم، وكفّروا من قَبِله، وأصبحوا اتجاهًا متطرفًا متشدّدًا في وسط الأمة، وقادوا الثورات والمواجهات مع السُّلطات والمجتمعات المخالفة لهم.

ورغم امتلاكهم لنقاط قوة في نظر قطاع من جمهور الأمة، لكون قياداتهم من القرّاء والعبّاد، وكانوا فصحاء وأبطالًا، ورغم التضحيات الكبيرة التي بذلوها في ثوراتهم ومعاركهم، إلّا أنهم تقلّصوا وانحسروا ولم يَبقَ منهم إلّا جزء تبنّى الاعتدال وهم الإباضية.

نهج الحكمة والوعي

وهناك نهج الاستجابة للتحدّيات والضغوط بالثبات، والقدرة على ابتكار وسائل الحماية، ومقوّمات البقاء والنمو، وهو النهج الذي سلكه أئمة أهل البيت .

حين نقرأ سيرة أهل البيت ، وندرس تراثهم، نجدهم قد قاموا بمسؤولية القيادة تجاه أتباعهم وتجاه الأمة خير قيام، وسلكوا أفضل الطرق للحفاظ على الخطّ الإسلامي الأصيل الذي يمثّلونه، رغم كلّ محاولات الحصار وأشكال الضغوط وألوان التحدّيات.

فما واجهه أئمة أهل البيت وأتباعهم في عهد الدولتين الأموية والعباسية، من تصفيات وظلم وإقصاء، لم تواجهه أيّ جهة أخرى بنفس الشدّة والقسوة، وهو أمر واضح معروف في التاريخ الإسلامي.

ولم يتبنَّ مذهبهم حاكم من الحكام الأمويين أو العباسيين، عدا ما أظهره المأمون العباسي من تعاطف مع أهل البيت لفترة قصيرة لم تتجاوز السنتين، حيث أصرّ على الإمام علي بن موسى الرضا أن يقبل ولاية العهد، فقبلها بحذر شديد.

وكان التنكر لمذهب أهل البيت هو الموقف الرسمي السائد لدى الحكومات المتعاقبة، حيث حصرت المذاهب الإسلامية في أربعة فقط، ولم يدرج معها مذهب أهل البيت كمذهب خامس.

مع كلّ ذلك استمرّ خطّ أهل البيت في نموٍّ وتقدّم، من حيث الإنتاج العلمي والفكري وبروز القيادات في مختلف المجالات، واتساع الرقعة الاجتماعية البشرية لهذا الخطّ.

ويعود هذا النجاح لسببين رئيسين:

أولًا: الحكمة والعقلانية في مواجهة الضغوط، حيث لم يدفع الأئمة أتباعهم وشيعتهم إلى احتراف الصدام والمواجهة، لا مع السّلطة ولا مع المجتمع العام.

ثانيًا: البرامج الاستيعابية والتعبئة الثقافية لأتباعهم وجمهورهم؛ لضمان استقامتهم على نهجهم، ولتجاوز آثار الضغوط والتحدّيات.

ويأتي الاهتمام بقضية عاشوراء في طليعة تلك البرامج التي حثَّ الأئمة جمهورهم على الالتزام بها. فهي قضية تحمل مضامين أساسية، منها:

تأكيد الولاء والانشداد العاطفي النفسي لأئمة الدين.

واستحضار فكر أهل البيت ، وتنمية روح الصبر والتحمّل للمصائب والآلام، والاستعداد للتضحية والبذل في سبيل الله، وقوة التماسك الداخلي في القاعدة الشعبية لأهل البيت.

وبمرور الزمن تحوّل إحياء ذكرى عاشوراء وسائر مناسبات ذكريات أهل البيت إلى مواسم للتعبئة الثقافية الإيمانية، من خلال انعقاد المجالس، وإلقاء الخطب والمحاضرات، وإنشاء القصائد، وظهور مواكب العزاء، واستحداث المشاركات الإعلامية والفنية المختلفة. وكلّ ذلك بجهود أهلية ومبادرات تطوعية.

 

خطبة الجمعة ١٧ محرم 1445هـ الموافق ٤ أغسطس 2023م.

[1]  الكافي، ج2، ص175، حديث 1.
[2]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص150.
[3]  المحاسن، ج1، ص228، ح161.
[4]  الكافي، ج1، ص50، ح13.
[5]  المصدر السابق، ج1، ص31، ح 8.
[6]  نفسه، ج2، ص187، ح5.
[7]  نفسه، ج2، ص187، ح2.
[8]  وسائل الشيعة، ج10، ص392، ح2.
[9]  أبحاث في الملل والنحل، ج3، ص471.