المرأة والوظيفة الأرقى

 

عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: دَخَلَتْ امْرَأَةٌ عَلَى الإمام جعفر الصادق ، فَقَالَتْ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنِّي امْرَأَةٌ مُتَبَتِّلَةٌ. فَقَالَ: «وَمَا التَّبَتُّلُ عِنْدَكِ»؟ قَالَتْ: لَا أَتَزَوَّجُ‏. قَالَ: «وَلِمَ»؟ قَالَتْ: أَلْتَمِسُ بِذَلِكَ الْفَضْلَ. فَقَالَ: «انْصَرِفِي، فَلَوْ كَانَ ذَلِكِ فَضْلًا لَكَانَتْ فَاطِمَةُ أَحَقَّ بِهِ مِنْكِ، إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَسْبِقُهَا إِلَى الْفَضْلِ»[1] .

الزواج يمثّل استجابة لحاجات أساسية في شخصية الإنسان وحياته، ذكرًا أو أنثى. فهو الطريق المشروع لتلبية الحاجة الغريزية الجنسية والعاطفية، وهي حاجة شديدة الإلحاح على الإنسان، خاصة في مرحلة شبابه وقوته، فإمّا أن يواجهها بالكبت والعزوف، وهذا ما قد يسبّب عسرًا وضررًا. وإما أن يدفعه إلحاح الغريزة لطرق الحرام، خاصة في هذا العصر مع وسائل تحريض الشهوة، وعوامل إثارة الغريزة، وتوفر فرص العلاقات العاطفية غير المشروعة.

وبالزواج يصبح الإنسان أكثر حصانة ومناعة تجاه الانحرافات السلوكية، والمفاسد الأخلاقية.

لذلك ورد في الحديث عن النبي محمد : «إِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ نِصْفَ دِينِهِ؛ فَلْيَتَّقِ اللهَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي»[2] .

وعنه : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ - أي النَّفقة - فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ»[3] .

استقرار نفسي وكيان اجتماعي

والزواج مصدر اطمئنان واستقرار نفسي، فالإنسان في هذه الحياة يواجه مشاكل وتحدّيات، وهو بحاجة إلى شريك يُفضي إليه بهمومه وآلامه وآماله، يشاركه السير في دروب هذه الحياة، ويساعده في مواجهة متاعبها، والقيام بوظائفها.

يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً. [سورة الروم، الآية: 21]. فالرجل يسكن للمرأة، كما أنّ المرأة تسكن للرجل، إذ تسكن وتطمئنّ نفس كلّ واحدٍ منهما للآخر.

وبالزواج يتشكل كيان الأسرة الاجتماعي الذي ينتمي إليه الإنسان، ويتفيأ ظلاله، ويرزق من خلاله الولد والذرية التي تمثّل امتدادًا لوجوده.

يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ. [سورة النحل، الآية: 72].

الأمومة أرقى مهمّة إنسانية

وبالنسبة للمرأة، إضافة إلى كل ما سبق، فإنّ الزواج يمنحها الفرصة لنيل أرقى وظيفة إنسانية، هي وظيفة الأمومة، حيث هيأها الله تعالى بيولوجيًّا ونفسيًّا لهذا الدور العظيم.

إنّها مهمّة ترتبط بإنتاج الإنسان، وصنع شخصيته، ولا تدانيها أيّ مهمّة أخرى.

وحين يتحدّث القرآن الكريم عن فضل الوالدين ومكانتهما، يخصّ دور الأم بالذكر، والتركيز على أهميته.

يقول تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. [سورة لقمان، الآية: 14].

وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا. [سورة الأحقاف، الآية: 15].

في أحشاء المرأة يتكون الإنسان، ومن دمها يتغذّى، وعبر رحمها يأتي إلى هذه الحياة، وفي أحضان حنانها وعطفها ينشأ ويتكامل نموه الجسمي والنفسي.

إنّ كلّ إنسان مهما عظم شأنه، مدين بالفضل لهذه الأم، أكثر من فضل أيّ أحدٍ عليه حتى أبيه.

روى هِشَام بْنِ سَالِم عَنْ الإمام جعفر الصادق قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلنَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ : «أُمَّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أَبَاكَ»[4] .

وروى أنس عن رسول الله أنه قال: «اَلْجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدَامِ اَلْأُمَّهَاتِ»[5] .

واستشاره رجل في الجهاد، قال : «هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ»؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ : «فَالْزَمْهَا فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا»[6] .

إنّ كلّ عظماء الإنسانية، من أنبياء وعلماء ومفكّرين وقادة، مرّوا من أحضان أمهاتهم، وتأثروا برعايتهنّ.

لقد تحدّث القرآن الكريم عن نبيِّ الله موسى ، وظروف ولادته ونشأته، في آيات كثيرة، نقرأ فيها حضورًا فاعلًا لأمه، دون أيّ إشارة أو ذكر لأبيه عمران، مع تأكيد المصادر التاريخية على وجوده عند ولادة موسى ، وأنّ عمره آنذاك كان سبعين سنة، كما في تاريخ الطبري[7]  والكامل لابن الأثير[8] .

أما نبي الله عيسى بن مريم ، فهو منسوب إلى أمّه، حيث لم يكن له أب، وانفردت أمّه برعايته وتربيته، وجاء ذكرها بالتعظيم والتقديس في القرآن الكريم، بل خصّصت سورة باسمها: سورة مريم.

وينقل عن «نابليون بونابارت 1769-1821م» الذي أسّس إمبراطورية عظيمة شملت معظم أرجاء أوروبا، أنه قال: (إنّ ما توصّلت إليه اليوم هو من عند أمّي)[9] .

للزوجة فضل الجهاد والتفرّغ للعبادة

وإلى جانب هذه الوظيفة الأرقى، فإنّ حسن معاشرتها لزوجها يمنحها فضلًا عند الله لا يقلّ عن فضل الجهاد في سبيل الله.

ورد عن الإمام جعفر الصادق : «جِهَادُ اَلْمَرْأَةِ حُسْنُ اَلتَّبَعُّلِ»[10] .

ولأنّ في الزواج، وخاصة بالنسبة للمرأة، كلّ هذه المكاسب والمعطيات، فإنّ الفضل فيه يفوق فضل التفرّغ للعبادة.

فقد ورد عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: دَخَلَتْ امْرَأَةٌ عَلَى الإمام جعفر الصادق ، فَقَالَتْ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنِّي امْرَأَةٌ مُتَبَتِّلَةٌ. فَقَالَ: «وَمَا التَّبَتُّلُ عِنْدَكِ»؟ قَالَتْ: لَا أَتَزَوَّجُ‏. قَالَ: «وَلِمَ»؟ قَالَتْ: أَلْتَمِسُ بِذَلِكَ الْفَضْلَ. فَقَالَ: «انْصَرِفِي، فَلَوْ كَانَ ذَلِكِ فَضْلًا لَكَانَتْ فَاطِمَةُ أَحَقَّ بِهِ مِنْكِ، إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَسْبِقُهَا إِلَى الْفَضْلِ»[11] .

عزوف الفتيات عن الزواج

ونقف هنا عند بعض المحاولات التي تسعى لنشر ثقافة تدفع الفتيات للعزوف عن الزواج، فقد ذكر إحصاء صادر عن الهيئة العامة للإحصاء في السعودية عام 2020م (أنّ نسبة الشباب والشابات الذين لم يسبق لهم الزواج في الفئة العمرية من 15 - 34 سنة بلغت 66.23 في المئة... وأنّ نسبة غير المتزوجات من الإناث في الفئة العمرية 25- 34 سنة بلغت 43.1%)[12] .

إنّ الذين يبثّون فكرة عزوف الفتيات والنساء عن الزواج يثيرون المبرّرات التالية:

1/ إنّ الأهم للمرأة أن تسعى لتحقيق ذاتها، وبلورة شخصيتها وكفاءتها، عبر الدراسة والوظيفة واكتساب الثروة والدور الاجتماعي، بدل أن تنشغل بالحياة الزوجية وأعبائها.

وفي الواقع ليس هناك تنافٍ بين المسارين، وفي الحياة المعاصرة نجد كثيرًا من الفتيات والنساء حققن التميّز والتفوق في دراستهنّ الأكاديمية، وعملهنّ الوظيفي، ودورهنّ الاجتماعي، ولم يكن الزواج والأمومة مانعًا، أو عقبة أمامهنّ.

بل إنّ الزواج يحقّق للمرأة جزءًا هامًّا من ذاتها وشخصيتها، بالاستجابة لمتطلباتها البيولوجية والعاطفية والنفسية والاجتماعية.

2/ إنّ الزواج يقيّد حرية المرأة، ويجعلها مرتبطة بإرادة زوجها، والتزامات حياتها العائلية.

لكن هذا المبرر يتجاهل هدفية الحياة، والإيمان بالقيم الإنسانية والدينية. التي تؤكد على مسؤولية الإنسان في هذه الحياة، وتسمو به عن الحالة الأنانية الضيقة.

وما قيمة الحرية بلا معنى للحياة، ولا هدف سامٍ يسعى الإنسان لتحقيقه؟

3/ وقد تعزف بعض الفتيات عن الزواج، بسبب تشدِّدها في مواصفات شريك الحياة، وخاصة في المستوى التعليمي، أو الملاءة المالية.

لكنّ المواصفات الأهم في شريك الحياة بعد السلامة الصحية، هي الاستقامة النفسية والأخلاقية.

ورد عن الإمام علي بن أبي طالب : «قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ يَوْمًا وَنَحْنُ عِنْدَهُ ﴿إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ، وَإِنْ كَانَ دَنِيًّا فِي نَسَبِهِ. قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِنَّكُمْ ﴿إِلاّٰ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي اَلْأَرْضِ وَفَسٰادٌ كَبِيرٌ»[13] .

ويقول تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. [سورة النور، الآية: 32].

إنّ المبالغة في الاهتمام بالتكافؤ التعليمي، أو الوظيفي، أو المالي لا تستند على مبرّر حقيقي.

4/ لعلّ من أقوى العناصر المتداولة في ثقافة العزوف عن الزواج هو حالات الفشل، والمشاكل التي تحصل في تجارب الحياة الزوجية حاضرًا، حيث تكثر المشاكل وترتفع أرقام حالات الطلاق.

فبحسب دراسة أجرتها جامعة أم القرى السعودية أواخر 2021، تم إرجاع ارتفاع عزوبية النساء، إلى إحساسهنّ بالاستقلال والاعتماد على الذات، والحصول على وظيفة دخلها جيّد، ومن المنفّرات الإضافية، تضخيم حوادث العنف الأسري في السوشال ميديا، وحالات الطلاق المرتفعة[14] .

لكنّ هذا يجب أن يدفع لتوفير الضمانات والمعالجات على المستوى الفردي والاجتماعي، وليس العزوف عن الزواج، إنّ ذلك يشبه حصول المشكلات في كلّ بُعدٍ من أبعاد الحياة.

فهناك مشكلات في محال التعليم، ومجال العمل والوظيفة، وفي قيادة السيارات تحصل حوادث مرورية كثيرة. فهل يعني ذلك الابتعاد عن مثل هذه المجالات؟

ثقافة لإضعاف كيان الأسرة

وما يجب الانتباه إليه هو انتشار الثقافة المادية التي تبشّر بها الحضارة الغربية، والتي تناوئ الكيان الأسري بشكل واضح، وتسعى إلى إضعافه في مختلف المجتمعات، لتصبح المجتمعات ساحة مفتوحة للفساد الأخلاقي، والشذوذ الجنسي، والعلاقات غير المشروعة.

إنّ علينا أن نهتم بتثقيف بناتنا وتوعيتهنّ بالمبادئ الدينية والأخلاقية، وأن نحصّنهن من تأثير الإعلام المنحرف الفاسد. وأن نهيئ الأجواء لإنجاح تجارب الحياة الزوجية.

 

خطبة الجمعة 10 جمادى الأولى 1445هـ الموافق 24 نوفمبر 2023م.

[1]  الكافي، ج5، ص509، ح 3.
[2]  الألباني: صحيح الترغيب، ح 1916. ومثله في الكافي، ج5، ص329، ح2.
[3]  صحيح البخاري، ح5066.
[4]  الكافي، ج2، ص159، ح9. ومثله في البخاري، ح5971.
[5]  كنزل العمال، ح45439.
[6]  الألباني، صحيح النسائي، ح 3104.
[7]  تاريخ الطبري، ج1، ص271.
[8]  الكامل في التاريخ، ج1، ص126.
[9]  الدكتور علي القائمي: دور الأم في التربية، ص14.
[10]  من لا يحضره الفقيه، ج4، ص416، ح5904.
[11]  الكافي، ج5، ص509، ح3.
[12]  https://www.stats.gov.sa/ar/news/397
[13]  تهذيب الأحكام، ج7، ص394، ح1578.
[14]  صحيفة الرياض، الأحد 18 صفر 1445هـ 3 سبتمبر 2023م، https://www.alriyadh.com/2030622.