الخطاب الإسلامي والانتماء للعصر

وتفجرت ينابيع المعرفة امام انسان هذا العصر، وتدفق عليه سيل المعلومات من كل الاتجاهات وعن كل الاشياء.

اوشكت الامية على الانقراض، فبعد ان كان القادرون على القراءة والكتابة في سالف الزمان عددا قليلا من الناس، يعدون على الاصابع في كل مجتمع من المجتمعات، اصبحت الامية نسبة ضئيلة تتقلص كل عام وعلى مستوى العالم.

وحتى من يفقدون السمع والبصر اتيحت لهم فرص التعلم، وتوافرت لهم وسائل الخلاص من الامية. وانفتحت آفاق علوم الارض والسماء امام ابناء البشر، من مختلف الاعراق والالوان والاصقاع والشرائح والطبقات، ولم يعد العلم حكرا على نخبة من ابناء السلاطين والاثرياء الارستقراطيين.
واصبح العالم بأحداثه وتطوراته حاضرا امام الانسان، وهو مضطجع على سرير نومه، او متكىء على اريكته، يشاهد كل خبر او حدث هام لحظة وقوعه، بالصورة الملونة، والصوت الواضح بأي لغة يتقنها.

اما الحاسب الآلي، والشبكة العنكبوتية (الانترنت) فهي العصا السحرية المتاحة لكل انسان في هذا العصر، ليستحضر بها اي معلومة يريدها، واي فكرة يبحث عنها، وبها يفتح كل ابواب خزائن العلم والمعرفة، في مختلف المجالات والتخصصات، وقد بلغ عدد مستخدمي الانترنت في العالم لعام 2003م (622.9 مليون انسان) ويتوقع ان يصل الى (709.1 مليون) في هذا العام.

قبل سنوات قرأت في احد التقارير: ان العالم انتج من المعلومات خلال الثلاثين سنة الماضية، ما يزيد على الذي تم انتاجه في الخمسة الاف سنة السابقة.

ونسخة واحدة من عدد الاحد لصحيفة (نيويورك تايمز) تحتوي على المعلومات التي يمكن ان يكتبها اوروبي في القرن السابع عشر طيلة حياته. وكل يوم هناك نحو عشرين مليون كلمة، تنتج بواسطة الوسائل الاعلامية والمعلوماتية المختلفة.

والقارىء الذي يستطيع ان يقرأ الف كلمة في الدقيقة، سيستغرق شهرا ونصف الشهر لقراءة انتاج يوم واحد فقط. وفي نهاية هذه المدة سيتكدس لديه ما يحتاج الى خمس سنوات ونصف السنة من القراءة.

وقبل سنتين اشارت ارقام اليونسكو واتحاد الناشرين الدولي الى ان العالم يصدر فيه سنويا حوالي مليون وربع المليون عنوان من الكتب، وحوالي نصف المليون دورية مطبوعة، وحوالي خمسة ملايين تقرير علمي وفني، وحوالي ربع المليون رسالة ماجستير ودكتوراه، وربع المليون كتاب ودورية اليكترونية.

في هذا العصر الذي تزدحم امام انسانه الافكار، وتتراكم المعارف وتتوالى المعلومات، كيف يمكن للخطاب الديني ان يشق طريقه الى عقل هذا الانسان المعاصر؟

وكيف يرقى الى مستوى المنافسة والتحدي؟


ان اول شرط تأهيلي لمقبولية الخطاب الديني، يكمن في انتمائه لهذا العصر الحاضر، بان يستخدم لغته، ويعيش قضاياه واهتماماته، ويستفيد من وسائله وتقنياته.

ان تقدم العلم وتطور المعرفة ويسر تداول المعلومات وانتشارها، ليس مشكلة ولا عامل تحد سلبي امام الخطاب الاسلامي بل هو في الواقع مكسب عظيم للانسانية، وداعم لحقائق الدين، المنسجمة مع الفطرة، المتوافقة مع سنن الله تعالى في الطبيعة والحياة.

فالجهل هو العائق الاكبر امام اهتداء الانسان للدين، وهو سبب انحداره الى مهاوي الكفر والشرك والضلال لذلك يستعيذ المؤمن بالله تعالى من الجهل: ﴿قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين.

ويحذر الله تعالى نبيه من مستوى التفكير الهابط للجهلاء يقول تعالى: ﴿فلا تكونن من الجاهلين.

اما العلم فهو طريق الايمان والهدى واكتشاف الحق، يقول تعالى ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق.

تأسيسا على هذه الحقيقة فان التقدم العلمي يخدم المبادىء الدينية، ويجعل الناس اكثر تهيؤا لقبولها والتفاعل معها، كما ان تطور وسائل المعرفة يتيح افضل الفرص لعرض قيم الاسلام، وايصال صوته الى المسامع والعقول.

وفي المجتمع عدد وافر من الاخصائيين والمتخصصين يمكن استشارتهم والاستفادة من آرائهم لمعالجة القضايا المرتبطة بتخصصاتهم.

ان ضعف الاعداد والتحضير للخطاب يجعل المعالجة فيه سطحية بسيطة، كما ان هندسة الموضوع ومنهجية الطرح، تصبح مرتبكة او غير متقنة.
بينما يكون الخطيب المجتهد في الاعداد والتحضير مهيمنا على موضوع بحثه، منسقا لنقاطه وافكاره مشبعا له بالادلة والشواهد المؤثرة، مما يجعله اكثر فائدة واقدر على الاقناع والتأثير.

اولا ـ باختيار مواضيعها من خلال معايشة هموم المجتمع ومتابعة قضايا العصر.

ثانيا ـ بالاجتهاد في بحث كل موضوع من خلال المصادر المتوافرة من الكتب والصحف والمجلات ومواقع الانترنت.

ثالثا ـ باستشارة ذوي التخصصات في المواضيع التي تتطلب.

رابعا ـ بذل الجهد في منهجية البحث، واختيار افضل الاساليب والعبارات المناسبة.

الاربعاء 12 جمادى الأولى 1425هـ الموافق 30 يونيو 2004م، العدد 11338