في ليلة الحوار المفتوح

الشيخ الصفار: الحوار مشاركة لصناعة خطاب أفضل

مكتب الشيخ حسن الصفار عبد الباري الدخيل - تصوير: أبو مارية

عقد سماحة الشيخ حسن الصفار حوارا مفتوحا حول المواضيع التي تطرق لها في محاضراته في موسم المحرم لهذا العام 1431هـ في مكتبه في القطيف يوم الخميس ليلة الجمعة (15/1/1431هـ, 1/1/2010م)، أداره الأستاذ وليد سليس الذي تحدث عن الإطار العام لمحاضرات الشيخ لهذا العام، مهنئا له لورود اسمه في قائمة الخمسمائة شخصية اسلامية مؤثرة في العالم.

"فالحب, صناعة التغيير, المرأة, العنف الاجتماعي والسياسي, حقوق الإنسان, الشباب, العدل والمساواة وعدم التمييز, الابداع, المرجعية الدينية, الثقافة الشيعية بجانب عناوين محاضرات شهر محرم أكثر ما يميزها أنها لامست معظم المناطق الحرجة بكل شفافية ووضوح فيما يتعلق بتحديد المشكلة وآلية المعالجة, وبل وجدنا أن الشيء الغير مرغوب فيه لدى غالبية الناس عندما يقال لهم بأسلوب مباشر أنهم يجب ان يتحملوا المسؤولية الاجتماعية في معالجة المشاكل. مثل هذا النداء العاجل والمهم كان حاضرا في معظم المحاضرات ليس بصيغة الجمع, لأن كثير ما يستثنى الإنسان نفسه عندما يكون الحديث عن الجماعة, بل متوجها للفرد!!"

ثم تحدث سماحة الشيخ الصفار بكلمة قصيرة حمد الله فيها على "النعمة الكبيرة التي نعيش في ظلها، أن مكننا الله تعالى من إحياء شعائر أهل البيت في بلادنا وبهذا الشكل الواسع الكبير"، داعيا للأسلاف  بالرحمة فهم "الذين حفظوا لنا هذا الإرث الكبير، وورّثوه لنا، وأصروا على ممارسة هذه الشعائر في عصورهم، وكان ذلك يكلفهم الكثير، وحتى إحيائنا الآن لهذه الشعائر بركات أجدادنا وآبائنا حاضرة فيه"، فـ"كثير من المآتم والمجالس هي من أوقاف الآباء والأجداد، وكثير مما يصرف على هذه المجالس هي من تلك الأوقاف"، كما أمتدح المجتمع الذي يشعر بتميزه وثقافته واهتماماته، شاكرا له على تفاعله وتجاوبه.

وبالنسبة للقاء قال سماحته: إنني لا اعتبر ما يرد فيه "مجرد إشكالات عليَّ الرد عليها، أو أسئلة أنا مطالب بالجواب عليها إنما إلفات نظر، فقد تكون هناك ملاحظة والكمال لله"، وهو حوار "ضمن محاولة مشتركة منا جميعا من اجل صناعة الخطاب الأفضل الذي يفيد مجتمعنا".

وأضاف: إننا يجب ألا نتوجس من الأفكار الجديدة لأنه "ينبغي تحريك المياه الراكدة، وإثارة أذهان الناس"، فالأفكار التي تسبب نقاشا وتدفع الناس للبحث والسؤال والنقاش هي الأفكار التي تنهض بالمجتمع وتصنع وعيه.

رافضا ثقافة التلقين إذ على المستمع أن يعطي فرصة لعقله وفكره ولا يقبل كل ما يسمع من الخطيب وعليه أن يفكر ويناقش الخطيب، كما يجب ألا يكون مقصودنا من الحوار أن "نصفّي حساباتنا".

شارك في المداخلات كل من: السيد محمد الدعلوج، مالك اللويف، غسان أبو حليقة, محمد الشيوخ، ام هادي، ام فايز، ام مجتبى السيف، عزت الصفار، حسين العلق، خالد النزر، فاضل العماني، مطر النجيدي، علي البحراني، منير النمر، السيد ناصر السلمان، السيد إبراهيم الزاكي، سعيد العبكري.

إيجابيات العدو

وعن سؤال لماذا "تستشهد ببعض النقاط الايجابية والتطور عند الصهاينة؟" قال سماحته: هناك من يشكل على الاستشهاد بايجابيات الآخرين كالغرب أو الأعداء كالصهاينة، وأنا أخالفهم في ذلك،  واعتقد أن هذا المنهج – منهج قراءة الآخر في ايجابياته وسلبياته - مفيد لأنه يستثير الإنسان أكثر، ونجد في القرآن الكريم بعض الإشارات بهذا الاتجاه، كمعالجته لمسالة (واقعة احد)، فقد قال الله تعالى ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104سورة النساء), حيث تشير الآية إلى أن الطرق الآخر يواجه المعاناة ويتحملها, والمؤمنون يجب ان يكونوا أكثر من أعدائهم تحملاً لما يرجونه من الله تعالى.

مضيفا أن: في كلام أئمة أهل البيت ، نجد ذلك أيضا، فأمير المؤمنين علي بن أبي طالب يستشهد بأهل الشام، ويقول: (فَيَا عَجَباً، عَجَباً واللَّهِ يُمِيتُ الْقَلْبَ ويَجْلِبُ الْهَمَّ مِنَ اجْتِمَاعِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ وتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ)، وفي مرة أخرى يقول (لَوَدِدْتُ واللَّهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةَ مِنْكُمْ وأَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ).

أضغاث أحلام

وعن مسألة رفض سماحة الشيخ للأحلام، قال سماحته: بالنسبة إلى الأنبياء والمعصومين رؤاهم صحيحة، والقرآن الكريم تحدث عن رؤيا نبي الله يوسف ، ورؤيا رسول الله ، ولكن غير المعصومين رؤاه تحتمل عدة احتمالات، وغالبها أضغاث أحلام، الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبوة،  وأنا اعتقد أن الرؤيا يستفاد منها على الصعيد الشخصي ضمن إطار المبشرات والمحذرات، إما أن تعتبر الرؤية مصدراً للتشريع، ومصدراً للدين، فهذا لا يقول به احد بالاتفاق. وحذر من أن: هناك ظاهرة من يتاجرون بالأحلام والأطياف، تبلغني كثير من الأخبار في المجتمع أن امرأة قالت أنها رأت السيدة الزهراء ، مباشرة تأتيها النذور والتبرعات، ويتبركون بها، وتحول القضية إلى قضية متاجرة، وهذا الأمر غير صحيح، ولذلك ينبغي أن نوعّي الناس، لأننا لا تستطيع أن تحدد الصادق من الكاذب في دعواه.

مناهج النقد

وعن سؤال: لماذا سماحة الشيخ يلامس بعض القضايا والممارسات المرتبطة بعواطف الناس؟ هل يميل الشيخ بهذا النقد إلى أن يحرك المياه الراكدة فقط؟

وما هو تحديدا نقد الشيخ في هذا الموضوع، هل لأن هذه الممارسة ليس لها أصل ديني أو لأنها في عداد الخرافة أو لأن المجتمع يمارسها بإفراط؟.

قال سماحة الشيخ الصفار: هناك منهجان قائمان في الساحة الإسلامية، وأنا هنا أتحدث عن ساحتنا الشيعية، منهج يرى انه ينبغي أن نطلق العنان لعواطف الناس الدينية، وأي شيء يعمل في سبيل أهل البيت، والعاطفة الدينية، المجال مفتوح لا حدود له، وبالتالي فتح العنان أمام عواطف الناس تدفع بمختلف الاتجاهات، ومشكلة هذا المنهج أنه إذا ما سارت العاطفة وأخذت عنوان أهل البيت، يصبح لها قداسة، وبالتالي يصعب الاعتراض عليها.

ثم انتقل ليعرف المنهج الآخر الذي يرى انه: ينبغي أن نستفيد من إنشداد الناس لدينهم في القضايا الأساسية، وألا نعمل على تفريغ شحنات الحماس عند الناس في قضايا جانبية وقشرية، لأن للإنسان طاقة إذا أفرغها في مجال يشعر بالإشباع والاكتفاء تجاه الدين وأهل البيت، ويكون على حساب التوجهات الأساسية، فيكون استغراق في قضايا جانبية وقشرية على حساب القضايا الأساسية، وعلى أساس ما يخدم الدين  والمجتمع، من ناحية أخرى يصبح المجال مفتوح للغو، ينبغي ترشيد توجهات الناس العاطفية والدينية، وعدم إطلاق العنان لها بلا حدود.

التطبير

إحدى الأخوات سألت عن التطبير وطلبت أن تعرف رأي الشيخ فيه، فقال سماحته: سبق أن تحدثت عن رأيي حول موضوع التطبير، وأنا لست في مقام الإفتاء حتى احلل واحرم، ولكني في مقام تشخيص الموضوع، والتطبيق الخارجي، أنا لا أراه مناسبا في هذا العصر،  وخاصة في هذا البلد.

وأضاف: أنا لا أتكلم في جهة الفتاوى، أنا أتكلم في جهة الممارسة التطبيقية.

بين النقد والدبلوماسية

وحول اللهجة الصريحة أو المباشرة وأنها كانت أعلى من حدود الدبلوماسية وهل هذا بسبب إحباط معين أو استشعار بمرحلة معينة ما عادت فيها  أن الدبلوماسية تنفع،  قال الشيخ: أنا اعتقد أن بعض الناس لديهم ضعف في متابعة الخطاب السياسي، وخطاباتنا في الساحة في كل القضايا التي تتطلب أن يكون لنا موقف نتحدث ونبين موقفنا، ولكن نبين وفق الظرف الذي نراه، أتمنى أن تتاح الفرصة لأحد لرصد خطابنا السياسي خلال السنوات الماضية، ليرى حقيقة ما أقول.

بالطبع فان الخطاب في بعده السياسي لابد وأن يتأثر بالظروف والأوضاع السياسية, والنبرة السياسية لا يمكن ان تأخذ وتيرة ثابتة لان السياسية تحفل بالمتغيرات.

أفكار ومشاريع

وأشاد سماحته بالمشاريع الخلاقة جوابا على سؤال عن الأفكار الكثيرة التي وردت داخل المحاضرات، لكنه استدرك بأن بعض الناس لديهم قدرة في قيادة مشروع، وبعض الناس لا يستطيع هو أن يقود مشروعا، أو يخلق إطاراً لمشروع، عليه أن يعمل ضمن المشاريع القائمة.

ممثل الطائفة

وحول تمثيل الشيخ للطائفة قال: بعض الناس يقول أنت تمثل الطائفة، أنا لا أقول أني امثل الطائفة، أنا امثل نفسي، ومن يعجبهم كلامي يعتبرون كلامي تمثيلاً لهم، فلا انتخابات افرزتني ممثلا، ولا احد عينني ممثلاً، أنا أتحمل مسؤوليتي، واحمد الله على أن جعلني في نظر الكثيرين أن يتوقعوا مني شيئا قد يكون أكبر من طاقتي، هذا شيء احمد الله تعالى عليه وضمن سياق: وكم من ثناء جميل لست أهلاً له  نشرته، ولكن أطالب الناس بان يتجاوزا هذه العقلية.

مستدركا أن: مشكلة الطائفة لا يحلها الصفار لوحده أو فلان لوحده، هذا هم مجتمعي لا بد أن نتكاتف ونتعاون حتى نستطيع أن نغير واقعنا، وان نكون إلى جانب إخوانا المواطنين في وطن نشعر جميعا بالعزة و الكرامة فيه إنشاء الله.

رسالة من كندا

المقدم قرأ رسالة لطالب سعودي يدرس في كندا، جاء فيها: (ان المواضيع التي طرحتها تتسم بالجرأة والشجاعة، والى المزيد من هذه الموضوعات، هذه الموضوعات جعلتنا نرفع رأسنا عاليا بان لدينا مفكرين ومصلحين أقوياء وشجعان، وهذا يبرز مدى مستوى الهم الذي يشغلكم من قضايا وهموم الوطن، وبالأخص المواطن الشيعي، ولا غرابة في ذلك لأن هذه صفات  القياديين والمبادرين الأقوياء).

الدفاع عن السيد السيستاني

وعن الموقف من العريفي الذي أساء للسيد السيستاني قال سماحته: المحاضرة كانت حول المرجعية لذلك تحدثت حول  الموضوع، واعتقد أن المسالة بحاجة إلى جهد اكبر من مجرد خطاب على المنبر.

مشيرا إلى أن الجمهور: ينظر وكان الخطاب علاج سحري للمشاكل، بينما الأمور لا تعالج بمجرد خطاب، بل تحتاج إلى معالجة اكبر من هذا، نحتاج إلى أناس يتحركون وليس خطاب يقال وانتهى كل شيء.

وعن دور المعتدلين من السلفين قال الشيخ: البعض يسأل أين أصدقاؤكم من الشيوخ السلفيين الذين تتحدث معهم عن التقارب والتحاور؟ لماذا لا تستنكر هذا الفعل؟.

هذه مسؤوليتهم وليست مسؤوليتنا، لكن هذا الكلام هم أيضا يوجهونه لنا إذا تحدث احد ضد الخلفاء، أين دوركم؟

على العقلاء من السنة والشيعة ان يتحركوا لمنع الفتنة، ولمنع أن تتجه الأمور نحو التصعيد.

رسالة من بغداد

مدير الجلسة قرأ رسالة الحاج جهاد فارس من بغداد الكاظمية يقول فيها:

كثيراً ما استمع إلى خطبكم ومحاضراتكم القيمة التي تبث على الفضائيات والتي ترتقي إلى أعلى روح الوطنية وبناء المواطنة وحب البلد، والتي يفتقر إليها للأسف البعض الكبير من خطبائنا في العراق، وكم أتمنى أن يرتقي خطباؤنا إلى ما تسيرون عليه من تهذيب المجتمع والنفس وهو اكبر شيء يحتاجه العراقيين بعض سقوط النظام المباد.

المنبر الحسيني

وعن المنبر الحسيني الذي يعتبر الوسيلة الاهم وان لم تكن الوحيدة لدى الطائفة في منطقتنا، وهل حان الوقت أم انه ما زال مبكرا لإجراء عملية مراجعة لهذه المهمة، قال سماحته: المراجعة موجودة والتطوير موجود، وأنا اعتقد أن تطوير الخطاب المنبري في منطقة القطيف أفضل من كثير من المناطق الشيعية الأخرى، عندنا عدد من الخطباء الجيدين المتفاعلين مع قضايا المجتمع، وعندهم أطروحات جيدة، وأفكار طيبة، نعم تتفاوت المستويات، لكن ينبغي ألا نتنكر للكفاءات والطاقات الموجودة.

المرأة نصف المجتمع

وفي مداخلة من القسم النسائي قالت أحدى الأخوات أنها تعتب على الشيخ الذي لم يجعل للمرأة في هذا العام الا ليلة واحدة للحديث عن المرأة، فأجابها سماحته:

أنا عندي عتاب على الأخوات، حينما يميزن أنفسهن، فالمواضيع التي نطرحها كانت تتكلم عن الإنسان والمواطن والمجتمع، لماذا المرأة لا تجد نفسها معنية إلا بالحديث حول قضاياها المعينة؟

الليلة الأولى كان الحديث عن الحسين رسالة حب عن الأسرة والحب تجاه المرأة وتجاه الأولاد، وليلة تكلمنا عن العنف الاجتماعي، وعن الشباب وصناعة المستقبل، ولا اعني الشباب الذكور فقط إنما الذكور والإناث.

وأضاف: الحديث عن هموم المجتمع لا يخص الرجال فقط، على المرأة أن توسع الأفق، فحينما يتحسن الوضع العام للمجتمع فهذا ينعكس على كل شرائحه وفئاته بما فيهم المرأة.

بالإضافة إلى بعض المداخلات التي نذكرها هنا مختصرة:

مداخلة خالد النزر: اشكر سماحة الشيخ حسن الصفار على هذا المستوى الراقي من الخطب التي حاكت الكثير من واقعنا وتطلعاتنا مدعمة بالمعلومات والإحصاءات والتحليلات العلمية وكانت بلا شك متميزة ومكمل أساسي  للمشهد الحسيني في المنطقة.

مداخلة مطر النجيدي:أنا سعيد جدا بهذا اللقاء، كل ما جال بفكري تكلم به الإخوة، وزادوا عليه، بيد - كما يعرف الشيخ - إنني من الطالبين بتجاوز الخطوط الحمراء دائما في مخاطبة المجتمع، لا لنمط الإثارة وإنما نحن بحاجة إلى من يحرك هذه المياه الراكدة.

مداخلة علي البحراني: في البداية انحناءة للشيخ للمحاضرات القيمة جدا، واعتبارها أكاديمية بحتة في تسلسلها وفي طرحها بشكل مرتب جدا من عقلية ذهنية متجددة، وهذا دأب الشيخ انه لا يقف عند حد معين وإنما يتجدد في كل سنة.

جدير بالذكر أن عناوين محاضرات سماحة الشيخ الصفار كانت:

1- الحسين رسالة حب
2- المرفأ الروحي في السيرة الحسينية
3- الحسين والمبادرة للتغيير
4- المرأة واقع التهميش وإمكانات المشاركة
5- كسب السمعة الحسنة للفرد والمجتمع
6- حقوق الإنسان بين المحلية والعالمية
7- مواجهة العنف في المحيط الاجتماعي
8- الوحدة والخصوصيات المذهبية
9- الشباب وصناعة المستقبل
10- الحسين نداء العدل والمساواة
11- الإبداع في مواجهة المشكلات
12- المرجعية الدينية في المجتمع الشيعي
13- الثقافة الشيعية الجديدة

صور: