مهارات التفاوض والحوار

الشيخ حسن الصفار *
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله الطاهرين وصحبه الطيبين


أصبح التفاوض الاجتماعي والسياسي علماً له أصوله ومناهجه ونظرياته وأساليبه، ومع أنه علم جديد آخذ في التشكيل، إلا أنه يحظى باهتمام الباحثين في العلوم الاجتماعية، لتعلقه بقضايا جوهرية ومهمة لبناء المجتمعات على النحو الأفضل، وتفعيل عملية التواصل داخل المجتمعات وفيما بينها على المستوى العالمي.

فقد، تشابكت مصالح بني البشر، وأصبحوا يعيشون في قرية كونية واحدة، مع تنوعاتهم المختلفة، واشتداد حدة التنافس فيما بينهم كأفراد ومجتمعات على المواقع والمكاسب والمصالح.

مما يجعلهم بحاجة أكبر إلى تطوير قدراتهم على التفاهم، والتوفيق بين الإرادات المتنافسة، والتوجهات المختلفة، تجنباً للأزمات، وتفجير الصراعات والنزاعات.

وتنعكس آثار هذا العلم ونتائج بحوثه على ميادين كثيرة من النشاط الإنساني الاجتماعي، حيث يستفيد منه السياسيون في مجال المفاوضات الدبلوماسية، ورجال المال والأعمال في صفقاتهم الاقتصادية، والإداريون لإنجاح مهامهم القيادية، وسائر الحقول والميادين التي تتعدد فيها الإرادات والقوى.

لقد تأسست معاهد في أمريكا وأوربا واليابان وغيرها متخصصة بأبحاث تطوير هذا العلم، وإقامة دورات تدريبية لتنمية مهارات التفاوض، وإدارة الحوار.

يتحدث الدكتور حسن محمد وجيه في كتابه (مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي) عن مشروع جامعة هارفارد لدراسة العمليات التفاوضية المختلفة باعتباره من أكبر المشروعات في العالم في هذا الميدان، ويستهدف المشروع تنمية وتطوير طرق ووسائل ومهارات التفاوض والوساطة من أجل معالجة المشاكل القائمة في المجتمع الأمريكي، والمفاوضات السياسية الدولية.

وأعضاء المشروع أساتذة في جامعة هارفارد ومجموعة من الأساتذة المهتمين بالتنظير في التفاوض من معهد الـ M.I.T، وجامعة T.U.F.T. كما يستضيفون عدداً من الزائرين.

وتنصب جهود القائمين على المشروع على الإسهام في بناء نظريات للتفاوض، وعلى تقديم وتطوير برامج تدريبية للتفاوض في المجالات المختلفة، كإعداد برامج خاصة للمحامين ولرجال الأعمال وللعسكريين وللدبلوماسيين وللصحفيين ولموظفي الحكومة.

وكذلك إعداد دورات خاصة على مستوى طلاب الجامعات ومرحلة الدراسة الثانوية بالولايات المتحدة.[1] 

إن توفّر هذه المشاريع البحثية والتدريبية في تلك المجتمعات، يعد رافداً مهماً لتكريس ثقافة الحوار عندهم، واعتمادها لغة تخاطب رئيسية بين الإرادات المختلفة، والآراء والانتماءات المتعددة، والمصالح المتنافسة.

الخيار الصحيح:


إن البديل عن الحوار والتفاوض عند الاختلاف والتنافس، هو أحد خيارين: إما هيمنة إرادة معينة وخضوع الآخرين لقوتها، لكن مع شعور بالغبن، وتحفز للانتقام والثأر، مما يجعل العلاقة بين الطرفين قلقة حذرة، تنعدم في ظلها فرص التعاون والبنّاء، والانسجام الوثيق.

وإما سيادة ثقافة التناحر و التغالب، التي تكرّس انغلاق كل طرف على ذاته، واهتمامه بالتحشيد والتعبئة ضد الآخر، حتى تجد الأطراف نفسها في مأزق حرب ونزاع قد يصعب عليها الخروج منه.

ولا شك أن التفاوض والحوار هو الخيار الصحيح، والبديل الأفضل، لأنه يعني اعتراف الأطراف ببعضها، ورغبتها في الوصول إلى توافق مشترك، يتيح لها فرصة التعارف المباشر، وتحديد نقاط الاتفاق ومواقع الاختلاف.

وإذا كان الحوار هو سمة الحياة السياسية والاجتماعية في المجتمعات المتقدمة، فإن حضوره ودوره في مجتمعاتنا لا يزال محدوداً باهتاً.

وقد دفعنا ـ ولا نزال ـ ثمناً باهظاً لغياب الحوار الفاعل عن أجوائنا، يتمثل في الحروب بين الدول والحكومات، وفي الاضطرابات السياسية والأمنية الداخلية، وفي الصراعات القومية، والفتن الطائفية، والنزاعات الفئوية.

وحتى على المستوى العائلي والأسري فإن كثيراً من حالات التفكك والضياع ناتجة عن أسلوب الهيمنة والقمع، وغياب أسلوب التفاهم والحوار.

أزمة الحوار:


لكن أزمة الحوار في مجتمعاتنا لا تتمثل في غيابه فقط، وإنما أيضاً في سوء إدارته غالباً عند من يمارسونه.

وهنا تظهر قيمة البحوث والبرامج المعدة لتنمية مهارات التفاوض والحوار، وتتجلى أهمية أخلاقيات الحوار التي تتحدث عنها النصوص الدينية من آيات وروايات.

إن الإدارة السيئة للحوار قد تنتج مضاعفات عكسية، فتوسع هوّة الخلاف، وترفع درجة التشنج، وتزيد حالة التنافر والصراع.

وقد رأينا عبر بعض الفضائيات العربية برامج للحوار السياسي والمذهبي والفكري، بين الاتجاهات المختلفة، في العالم العربي والإسلامي، يفتقر أكثرها
ـ مع الأسف ـ لأبسط أخلاقيات الحوار، ومبادئ النقاش العلمي الموضوعي، حيث تتعالى الأصوات، ويقاطع كل طرف كلام الآخر، وتتهم النوايا، ويتبادلون السباب والشتائم، ويتفننون في تعبئة الأتباع وتحريضهم.

والأسوأ من ذلك ما يدور على شبكة الإنترنت مما يندى له الجبين، وخاصة بين المواقع المذهبية الطائفية من السُّنة والشيعة، حيث تطرح المواضيع الخلافية بطريقة صدامية حادة، وبأسلوب طفولي مبتذل، يكفر فيه كل طرف الآخر، ويفتي بهدر دمه، وإباحة ماله وعرضه.

إن الحوار بهذه الطريقة لا يوصل إلى نتيجة مفيدة، بل يزيد الطين بلة، ويقدم عن الأمة صورة مشوهة للآخرين، تفيد أعداء الإسلام الذين يروجون عن الإسلام أنه يشجع على العنف والإرهاب، ويرفض التعايش واحترام حقوق الإنسان، ويمكنهم عرض هذه المشاهد من الحوارات المتشنجة كدليل على عدم قدرة المسلمين على التعايش فيما بينهم، وسعي كل طرف منهم لإلغاء الآخر وسحقه، فضلاً عن قدرتهم على التعايش مع الآخرين واحترام حقوقهم!!

أخلاقيات الحوار:


من الطبيعي أن يحفل تراثنا الإسلامي بالكثير من المفاهيم والتعاليم المرتبطة بأساليب الحوار وطرقه الصحيحة، ذلك أن الإسلام إنما شق طريقه إلى الناس عبر الحوار، حيث لم يكن رسول الله يمتلك في مكة عند بداية الدعوة قوة ولا ثروة ولا منصباً، وكانت الأجواء العامة رافضة لدعوته، لكنه استطاع بقوة منطقه، وثبات حجته، وعبر أسلوب الحوار الناجح أن يقنع الآخرين، ويستقطبهم إلى جانب الدين الجديد.

ولم يرتض الإسلام القوة والفرض وسيلة لإدخال الناس في الدين، ذلك أنه ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ[2] . بل اعتمد منهجية الدعوة بالمنطق والحوار الهادئ، يقول تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[3] .

والجدال بالتي هي أحسن، يعني النقاش والحوار بأفضل أسلوب وينهي القرآن الكريم عن مناظرة الآخرين والحوار معهم إلاّ بأفضل الطرق والأساليب، يقول تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[4] .

من يقرأ السيرة النبوية، ويتأمل مواقف رسول الله وتخاطبه مع الآخرين، من مشركين ويهود ونصارى، يجد أفضل النماذج التطبيقية لأحسن أساليب التفاوض والحوار.

وعلى هديه سار الأئمة الأطهار من أهل بيته، والصحابة الأخيار، في نشر رسالة الدين، والدعوة إلى مبادئه وأحكامه، عن طريق الكلمة الطيبة، والحوار السليم.

ويمكننا أن نتلمس بعض السمات والمعالم لأخلاقيات الحوار في تراثنا الإسلامي عبر النقاط التالية:

أولاً- الهدف النبيل:

لماذا يناظر الإنسان الآخرين؟ ولماذا يحاورهم؟

إذا كان الهدف هو البحث عن الحقيقة، أو مساعدة الآخرين لاكتشافها، فهو هدف نبيل.

وإذا كان الحوار من أجل الوصول إلى فهم متبادل، ليعرف كل طرف ما لدى الآخر، فتتبين موارد الاتفاق، ونقاط الاختلاف، تأسيساً لعلاقة واضحة، وتعايش مشترك، فهو مقصد محمود.

أما إذا كان التناظر والحوار من أجل إظهار الغلبة، وإفحام الطرف الآخر، وممارسة الجدل للجدل، فتلك غاية سيئة، والحوار حينئذٍ عقيم غير منتج.

ولعل هذا النوع من الجدل، الذي ينطلق من ذات متضخمة، تستهدف الغلبة بأي وسيلة وثمن هو ما تشير إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ[5] .

وتطلق النصوص الدينية على هذا النوع من الحوار والجدل مصطلح (المراء)، وتحذّر الأحاديث والروايات، من انتهاج مسلك (المراء) بأن يجادل الإنسان من أجل الغلبة لا من أجل غاية صالحة، حتى وإن كان ما يجادل حوله حقاً.

«روى الإمام علي عن رسول الله أنه قال: لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وهو محق، وحتى يدع الكذب في الممازحة، ولو شاء لغلب»[6] .

فهو محق، ويستطيع بجداله الانتصار على الطرف الآخر، ((ولو شاء لغلب)) لكن الغلبة هنا لا هدف لها إلاّ الاستجابة لتضخيم الذات، وتحقيق الأنا، وذلك ما لا يستهدفه مؤمن صادق الإيمان.

«وجاء في حديث آخر عنه : من ترك المراء وهو محق بنى الله له في وسط الجنة»[7] ، «وعنه : أورع الناس من ترك المراء وإن كان محقاً»[8] .

«وجاء رجل إلى الإمام الحسين بن علي وقال له: اِجلس حتّى نتناظر في الدين؟ فقال الإمام الحسين وقد عرف قصد الرجل: يا هذا أنا بصير بديني، مكشوف عليّ هداي، فإن كنت جاهلاً بدينك، فاذهب واطلبه، ما لي وللمماراة؟ وإنّ الشيطان ليوسوس للرجل ويناجيه ويقول: ناظر الناس في الدين لئلا يظنّوا بك العجز والجهل»[9] .

وفي كتابه (إحياء علوم الدين) تحدث أبو حامد الغزالي بالتفصيل عن آفات هذا اللون من الجدل والمناظرة، جاء في مقدمة حديثه: ((اِعلم وتحقق أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام، وإظهار الفضل والشرف، والتشدق عند الناس، وقصد المباهاة والمماراة، واستمالة وجوه الناس، هي منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله، المحمودة عند عدو الله إبليس...))[10] .

وفي تصنيفها لأنواع العمليات التفاوضية، من منظور نظريات المباريات، تطلق أدبيات علم التفاوض الاجتماعي والسياسي الحديث، مصطلح (المباراة الصفرية) على ما يقرب من هذا النوع من الجدل العقيم.

وهي العملية التفاوضية التي تتبنى منطق تعامل مفاده: لا بد أن أجعل الطرف الآخر يخسر كل شيء، وأن أكسب أنا كل شيء، وطبقاً لقواعد هذه المباراة فإن المتحاورين يؤمنون بأن إدارة الصراع الاجتماعي والسياسي لا تحتمل حلولاً وسطاً، أي أن الأمر ينبغي أن يكون إما رفضاً مطلقاً أو قبولاً مطلقاً.. إما قاتل أو مقتول، ويمثل قرار الدخول في مثل هذه النوعية الصفرية من المباريات، النقيض التام لأي محاولة إيجابية لإدارة الحوار التفاوضي اجتماعياً وسياسياً، فمفهوم المنافسة والمسابقة طبقاً لهذه النوعية من المباريات لا يكون عادة من خلال الاستعداد والارتفاع بقدرات ومهارات الأداء التفاعلي، وبذل الجهد المطلوب لتحقيق الهدف بطريقة شرعية وإنسانية، بل إن الفوز عادة ما يتحقق طبقاً لتلك المباريات الصفرية من خلال تدمير وتشويه الآخر.[11] 


ملحوظة..

وسيأتي بقية الحديث عن النقاط الأخرى في النصف الآخر من الموضوع في كلمة الجمعة لهذا الأسبوع إن شاء الله.
[1]  وجيه: الدكتور حسن محمد/ مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي ص50/ علم المعرفة-190- الكويت 1994م.

[2]  سورة البقرة – آية 256.

[3]  سورة النحل – آية 125.

[4]  سورة العنكبوت – آية 46.

([5] ) سورة غافر – آية 56.

[6]  المتقي الهندي/ كنز العمال- حديث رقم 9024.

[7]  المصدر السابق- حديث رقم 9026.

[8]  المجلسي: محمد باقر/ بحار الأنوار ج2 ص 127.

[9]  المصدر السابق- ص135.

[10]  الغزالي: أبو حامد/ إحياء علوم الدين ج1 ص68/ الطبعة الأولى 1992م- دار الهادي، بيروت.

[11]  وجيه: الدكتور حسن محمد/ مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي ص25.